سيد محمد طنطاوي

438

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

من أعباء الرسالة ، وعصمناك من الذنوب والآثام ، وطهرناك من الأدناس ، فصرت - بفضلنا وإحساننا - جديرا بحمل هذه الرسالة ، بتبليغها على أكمل وجه وأتمه . فالمراد بوضع وزره عنه صلى اللَّه عليه وسلم مغفرة ذنوبه ، وإلى هذا المعنى أشار الإمام ابن كثير بقوله : قوله - تعالى - : * ( ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ) * بمعنى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّه ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ . وقال غير واحد من السلف في قوله : * ( الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) * أي : أثقلك حمله . . . « 1 » . ويرى كثير من المفسرين أن المراد بوضع وزره عنه صلى اللَّه عليه وسلم : إزالة العقبات التي وضعها المشركون في طريق دعوته ، وإعانته على تبليغ الرسالة على أكمل وجه ، ورفع الحيرة التي كانت تعتريه قبل النبوة . قال بعض العلماء : وقد ذكر جمهرة المفسرين أن المراد بالوزر في هذه الآية : الذنب ، ثم راحوا يتأولون الكلام ، ويتمحلون الأعذار ، ويختلفون في جواز ارتكاب الأنبياء للمعاصي ، وكل هذا كلام ، ولا داعي إليه ، ولا يلزم حمل الآية عليه . والمراد - واللَّه سبحانه وتعالى أعلى وأعلم - بالوزر : الحيرة التي اعترته صلى اللَّه عليه وسلم قبل البعثة ، حين فكر فيما عليه قومه من عبادة الأوثان . وأيقن بثاقب فكره أن للكون خالقا هو الجدير بالعبادة ، ثم تحير في الطريق الذي يسلكه لعبادة هذا الخالق ، وما زال كذلك حتى أوحى اللَّه إليه بالرسالة فزالت حيرته . ولما دعا قومه إلى عبادة اللَّه ، وقابلوا دعوته بالإعراض . . . ثقل ذلك عليه ، وغاظه من قومه أن يكذبوه . . . وكان ذلك حملا ثقيلا . . . شق عليه القيام به . فليس الوزر الذي كان ينقض ظهره ، ذنبا من الذنوب . . . ولكنه كان هما نفسيا يفوق ألمه ، ألم ذلك الثقل الحسى . . . فلما هداه اللَّه - تعالى - إلى إنقاذ أمته من أوهامها الفاسدة . . . كان ذلك بمثابة رفع الحمل الثقيل ، الذي كان ينوء بحمله . لا جرم كانت هذه الآية واردة على سبيل التمثيل ، واقرأ إن شئت قوله - تعالى - : ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ . واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 2 » . ويبدو لنا أن هذا القول الثاني ، هو الأقرب إلى الصواب . لأن الكلام هنا ليس عن الذنوب التي ارتكبها النبي صلى اللَّه عليه وسلم قبل البعثة - كما يرى بعض المفسرين - وإنما الكلام هنا عن النعم التي أنعم بها - سبحانه - عليه والتي من مظاهرها توفيقه للقيام بأعباء الرسالة ، وبإقناع كثير من الناس بأنه على الحق ، واستجابتهم له صلى اللَّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 458 . ( 2 ) تفسير ( جزء عم ) ص 242 للشيخ محيي الدين عبد الحميد - رحمه اللَّه - .